حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

19

شاهنامه ( الشاهنامه )

ذهاب الإسكندر إلى أرض الحبشة وقتاله وانتصاره فسار من ذلك المكان إلى أرض الحبشة [ 1 ] فاجتمعت منهم آلاف مؤلفة من كل غرابىّ ترتج الأرض بنعيبه ويمتلئ الجوّ بنعيقه . فقاتلوه برماح أسنتها من العظام فقتلوا كثيرا من أصحابه . فأمر عند ذلك رجاله بالجد في قتالهم تدججوا وصافّوهم فكانت الدبرة على الحبشة فأفناهم القتل . ولما جن الليل سمعوا صوت الكركدن فتصدّى لهم . وهو حيوان أعظم من الفيل له قرن في أم رأسه في لنون النيل . فأهلك خلقا من أصحابه . ثم رشقوه بالسهام فانهد كأنه جبل من حديد . ثم لما أصبح رحل وسار حتى وصل إلى أرض فيها خلق عراة كأنهم أشجار باسقة . فلما رأوا الإسكندر صاحوا واجتمعوا وقاتلوهم بالحجارة وأمطروها عليهم . فواقعهم أصحاب الإسكندر وقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا قليل . ذهاب الإسكندر إلى أرض نرم باي وقتاله للثعبان وانتصاره عليه وصعوده الجبل وإنذاره بالموت وسار حتى وصل إلى مدينة كبيرة بين يديها جبل عظيم يكاد يمس السماء فاستقبله أهلها بالتحف والمبارّ والخِدم فأحسن إليهم . ثم سايلهم عن الطريق فقالوا : أيها الملك : كان الطريق على هذا الجبل . وقد قطعة الآن ثعبان عظيم لا يتجاسر معه أحد على العبور فيه . وله علينا كل يوم وظيفة خمسة ثيران نلقيها اليه فيبتلعها وينكف بذلك من أن يتقدّم إلى هذا الجانب . فأمر الإسكندر بخمسة ثيران فذبحت وسلحت جلودها وحشيت سما ونفطا . وفأمر بإصعادها إلى الجبل وإلقائها إلى الثعبان . فابتلعا فلم يلبث أن تقطعت أمعاؤه من السم . وصعد بخار السم والنفط إلى دماغه فأخذ يضرب برأسه على الجبل حتى انفلق وتشقق . فقطعوه بالسيوف .

--> [ 1 ] كان اليونان يتخيلون أن الهند هي بلاد الحبش الشرقية التي تمتد إلى نهاية العالم ، وأن أهلها ، كأهل بلاد الحبش الغربية ، قد اسودت وجوههم بوهج الشمس . وقد ذكر هيردوت بلاد الحبش الشرقية كذلك ولكنه ميزها من الهند . وذكر سترابو أن الإسكندر نفسه حينما رأى نهر السند توهم أنه النيل . وقد عرّفت أسفار الإسكندر اليونان أن الهند غير الحبش . ولكن بقي في الأساطير آثار الأوهام القديمة . ومن أجل ذلك نرى الإسكندر في قصة الشاهنامه يسير ، بعد لقاء البراهمة ، في أرض تؤدّيه إلى أرض الحبش ، كما يرى القارئ .